حرية التعبير: ضمانة دستورية وممارسة مواطِنة

اثنين, 02/09/2026 - 11:43
ذ/ السالك ولد اباه

تُعدّ حرية التعبير من الركائز الأساسية لدولة القانون والموؤسسات ، ومن الحقوق اللصيقة بالإنسان التي لا تستقيم المواطنة بدونها. وقد كرّس الدستور الموريتاني هذا الحق ضمن منظومة متكاملة من الحريات العامة، انطلاقًا من مركزية الإنسان من خلال التمسك بالاعلان العالمى لحقوق الإنسان لكنها فى ديباجة،الدستور، تختلف جذريا، عن المفهوم الغربى المادى ذلك ان الإنسان فى الإسلام خليفة لله فى الارض ومركزيته مقيدة بالوحى والعبودية للخالق وليس،مركزية الإنسان لذاته وهو مبدأ أصيل مفاده أن الإنسان هو غاية الدولة، وأن كرامته وحريته مصونتان.

أولًا: الأساس الدستوري لحرية التعبير

نصّ الدستور الموريتاني صراحة على حرية الرأي والتعبير والنشر والاجتماع السلمي، مع التأكيد على ممارستها في إطار احترام الدين الإسلامي، والنظام العام، والأخلاق العامة. ويعكس هذا التنظيم الدستوري توازنًا مقصودًا بين إطلاق الحرية كأصل، وتنظيمها كاستثناء لا يكون إلا بنص قانوني، ولضرورة معلنة، وبضمانات قضائية.

إن هذا التوازن لا يُراد به تقييد الفكر أو خنق الحريات ، بل حماية المجتمع من الفوضى، وصيانة القيم الجامعة، وضمان أن تبقى الحرية أداة بناء لا وسيلة هدم.

ثانيًا: حرية الفكر أساس حرية التعبير

تسبق حريةُ الفكر حريةَ التعبير، إذ لا معنى للتعبير دون فكر حر. وحرية الفكر تعني حق المواطن في التفكير، والبحث، والتحليل، والاجتهاد، وإبداء الرأي في الشأن العام، دون خوف من الإقصاء أو التضييق، ما دام ذلك يتم في إطار القانون. واحترام القيم الإسلامية المتعالية

وتمثل هذه الحرية أساس الإبداع العلمي، والتجديد الاقتصادي، والنقاش الاجتماعي، وهي شرط لازم لأي نهضة تنموية حقيقية، لأن المجتمعات التي تُصادِر الأفكار إنما تُصادِر مستقبلها.

ثالثًا: حرية التعبير في حياة المواطن اليومية

لا تبقى حرية التعبير مفهومًا نظريًا، بل تتجسد آثارها العملية في حياة مختلف فئات المجتمع:

العامل يمارسها للدفاع عن حقوقه المهنية، والمطالبة بظروف عمل عادلة، والمشاركة في العمل النقابي المشروع.

المزارع يحتاجها ليُسمِع صوته بشأن مشاكل الأرض والمياه والتسويق، ويطالب بسياسات زراعية منصفة.

التاجر والمنمّي يعتمدان عليها لمناقشة السياسات الاقتصادية، وبيئة الاستثمار، والضرائب، والقيود الإدارية.

العاطل عن العمل يجد فيها وسيلة سلمية للمطالبة بحق الشغل، والمساهمة في النقاش حول العدالة الاجتماعية ومحاربة الفقر.

وهكذا تصبح حرية التعبير قناةً قانونية لتصحيح السياسات، لا تهديدًا للاستقرار.

رابعًا: حرية التعبير والدين والنظام العام

إن كون الإسلام دين الدولة والشعب لا يتعارض مع كفالة حرية التعبير، بل يشكل إطارًا قيميًا يُوجِّهها نحو المسؤولية. فالإسلام، في جوهره، يدعو إلى الشورى، وإبداء الرأي، والنصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي جميعًا صور راقية من التعبير المسؤول.

وعليه، فإن احترام الثوابت الدينية لا يعني تعطيل النقاش، بل تهذيبه، وربطه بالمصلحة العامة، ومنع توظيف الحرية للإساءة للرموز الدينية أو التحريض على العنف أو المساس بالوحدة الوطنية.

خامسًا: حرية التعبير والمواطنة

تمثل حرية التعبير جوهر المواطنة الفاعلة، إذ تجعل المواطن شريكًا في الشأن العام، لا مجرد متلقٍّ للقرارات. فالمواطن الذي يُعبِّر، يُراقِب، ويُساءِل، هو مواطن يُسهم في ترسيخ الشفافية، ومحاربة الفساد، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.

ولا تتحقق هذه الغاية إلا ببيئة قانونية تحمي الصحفي، والمفكر، والنقابي، والناشط السلمي، وتضمن أن تكون أي قيود على التعبير محددة، ومتناسبة، وخاضعة لرقابة القضاء.

خاتمة

إن حرية التعبير في الدستور الموريتاني ليست امتيازًا تمنحه السلطة، بل حق أصيل للمواطن، وشرطٌ للتنمية، وضمانة للاستقرار. وحين تُمارَس هذه الحرية في إطار القانون، والهوية الوطنية، والقيم الدينية، تتحول إلى رافعة للإصلاح، وأداة للبناء، وتجسيد عملي لدولة القانون والمواطنة.