
في خضم الاستعداد لحوار وطني يُفترض أن يؤسس لمرحلة سياسية جديدة، يطفو على السطح سؤال جوهري: من يُحاور من؟
إن من بين المتحاورين من سبق أن رفع السلاح في وجه الدولة، واستقوى بالخارج، وطعن في دستورية اللغة الرسمية، مطالبًا بفرض لهجات محلية بغير حروف عربية، وربط صلات مشينة مع الكيان الصهيوني، ووصف العرب في موريتانيا بأنهم "أقلية عرقية ولم يعتذر بل بقي سائرا على نفس النهج ".
ومنهم من يطالب بتعويضات بالمليارات عن ماضٍ شائك حسم بالتراضى وصدر فى شأنه عفو خاص فيما يتوارى آخرون خلف المقاطعة العلنية، ويُديرون ترتيباتهم من تحت الطاولة.
وفريق ثالث يعدّ العُدة لصياغة خطاب يُحافظ على نصيب "الأسد" من كعكة السلطة، وسط مشهد عبثي يوشك أن يُعيد إنتاج الأزمات بدلًا من تجاوزها.
ورغم هذا، فإن فكرة الحوار في حد ذاتها تظل إيجابية إذا خضعت لثوابت واضحة، أهمها:
1. عدم تحويل الحوار إلى بازار للمكاسب الفئوية أو العرقية أو الأيديولوجية.
2. الإقرار بدولة المواطنة لا دولة المحاصصة.
3. ترسيخ مبدأ العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات دون استثناء أو امتياز.
4. احترام الثوابت الوطنية والدستورية، وفي مقدمتها الإسلام والعروبة كوحدة جامعة.
فلا مستقبل لدولة تُدار بمنطق تعويضات الصراعات، أو بمنطق الخضوع للابتزاز السياسي.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن كثيرًا من الدول الإفريقية التي خاضت حوارات وطنية غير منضبطة سقطت في دوامة أزمات أكثر عمقًا، بفعل التسويات السطحية أو المحاصصات المضللة.
ولذلك، فنجاح الحوار عندنا رهين بتبنيه مبادئ الدول الموحدة، لا نماذج "المحاصصة الفاشلة" التي عمّقت الشرخ بدل رأبه.
مشروع طويل النفس... لا ديمقراطية جاهزة
الديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع، بل هي مشروع طويل النفس، يتطلب عقلاً ووعيًا وثقافة اجتماعية تسبق النصوص القانونية.
لا معنى لديمقراطية شكلية في بيئة يغيب فيها العدل، ويقسو الفقر، وتُهمّش النخب الوطنية لصالح منطق الغنائم.
فالديمقراطية الحقيقية تبدأ حين يشعر المواطن أن له كرامة، وسكنًا كريمًا، وتعليمًا جادًا، وتطبيبًا مجانيًا، وحرية مسؤولة لا تمس الثوابت.
ولا يتحقق هذا إلا حين تتحول الأحزاب إلى أداة لحل الأزمات لا لإنتاجها، وحين تُبنى الدولة على الكفاءة لا على التوازنات العرقية أو الجهوية.
إننا بحاجة إلى حوار صريح، لا مجاملة فيه، يتأسس على سؤال المصير:
هل نريد دولة عادلة موحدة، أم ميدانًا مفتوحًا للمساومات؟
إن الاختيار بين هذين المسارين هو ما سيحدد ما إذا كنا ننتج مستقبلاً... أم نعيد تدوير الخيبة.

.jpg)