اللغة العربية .. الحيف مستمر/ بقلم محمد فاضل سيدى هيبه

اثنين, 10/26/2015 - 16:44

مشكل اللغات هو إحدى المعضلات التى لازمت نشأة الدولة الموريتانية الحديثة بُعيد الاستقلال الممنوح فى العام 1960. لقد استطاعت السلطات الجديدة بمساعدة المستعمر القديم و ضع الأسس الأولى للدولة الفتية لكن فرنسا، رغم  تنحيها ظاهريا عن موقع السيطرة المباشرة و بعد انتهائها من وضع البلد على السكة فى الميادين الأساسية، حرصت فى المقابل على إبقاء هذه السيطرة على ميدانين إستراتيجيين هما الاقتصاد و الثقافة، أو كما يقول الفلاسفة المادة و الروح. أما الاقتصاد فكان يتمثل أساسا فى منجم كدية الجلد بمدينة الزويرات و كانت تستغله "شركة معادن الحديد الموريتانية" المعروفة ب"MIFERMA". أما السمك فكان حكرا  ل"الشركة الصناعية للصيد المكثف" (SIGP) المتمركزة فى مدينة نواذيبو منذ بداية القرن العشرين. رأس أموال المؤسستين كان مملوكا لخصوصيين فرنسيين، إلا نسبة 5% من رأس مال "ميفرما" هي مشاركة موريتانيا و ستؤمّمُ "ميفرما" كليا فى ما بعد.

أما الثقافة فكانت قناعة فرنسا - التى لم تزل فى ذلك الوقت اللاعب الرئيسي فى المشهد الموريتاني-  بضرورة  دوام حضور لغتها و ثقافتها فى هذه الربوع النائية. أما اللغة العربية فكانت مُتجاهلة بالكلية، و من أسباب ذلك الرغبة فى إتاحة فرصة لعبها ثانية الدور الذى لعبته قبلا كقلعة حصينة فى مقاومة الغزاة. و معروف فى المقابل أن لغة هؤلاء الغزاة قد وُوجهت مبكرا برفض قاطع و شامل من طرف الأهالي. لقد صدرت فتاوى صريحة فى تحريم التردد على مدارس النصارى و كل محاكاة لعاداتهم و طريقة حياتهم. سرى هذا الرفض على عموم الناس باستثناء أبناء المتعاونين مع الاستعمار الذين كانوا يدرسون فى مدارس تسمى مدارس أبناء الوجهاء.

إن هذا الإصرار من فرنسا على إعطاء الأولوية لفرض لغتها و ثقافتها على الدول التى تخضع لنفوذها يجد تفسره فى ما أرى فى أمرين : الأول ذو طبيعة ستراتيجية و هونا بع من فلسفة الاحتلال الخاصة بهذه الدولة و ترمز إليها فى عصرنا اليوم "المنظمة الدولية للفرنكوفونية" (OIF). على عكس الاحتلال الانكليزي أو الاسباني مثلا أو البرتغالي الذى يهتم أساسا بالاقتصاد و استغلال المواد الأولية  فان الاستعمار الفرنسي  يعطى إلى جانب شهيته الطبيعية لخيرات البلدان المحتلة أولوية موازية خاصة لتجَذُّرِ ثقاته و نشر لغته. ألم يقل الجنرال دي غول "إن اللغة الفرنسية حققت لفرنسا ما لم تحققه لها غزواتها العسكرية"؟

أما الاعتبار الثاني فهو تكتيكي خاص بموريتانيا و يهدف إلى قطع صلة البلاد بالعالم العربي ليسهل تدجينها من أجل السيطرة عليها من جهة و إبعاد كل منافسة للثقافة و اللغة الفرنسية من جهة ثانية. إن اسم "شنقيط" الذائع الصيت كان يثير فى مخيلة العرب الآخرين سواء فى المشرق أو فى المغرب - وهم الذين يُراد لموريتانيا الابتعاد عنهم - ذكريات فيض ثقافي غامر و حضارة بدوية  أصيلة  متلألئة كانوا يدركون أنها بعلمائها و شعرائها و محاظرها الأسطورية، هذه الجامعات البدوية المتنقلة، امتدادا لحضارتهم... كان إذن لا بد لهذا الاسم الشديد الاستحضار، المليء بالرموز، الملغوم باحتمالية التمرد، أن يمَّحي من الذاكرة الجمعية، فتم اختيار عبارة "موريتانيا" الأكثر "براءة" و أقل استحضارا رغم كونها مع ذلك تُحيل إلى هؤلاء "المور"Los Moros ، فاتحي اسبانيا الشهيرين.

بالرجوع إلى البلد الذى أصبح يعرف بموريتانيا فقد رأينا أن اللغة العربية قد أُقصيت من مقوِّمات الجمهورية الناشئة. لقد كان بالإمكان بوضوح تام ملاحظة عبارة "أُمي" مرسومة على بطاقات التعريف آنذاك مقابل أسماء أصاحبها إذا لم يكونوا يحسنون الفرنسية - و قليل من كانوا يحسنونها - حتى لو كان المعني مُتضلعا فى شتى المعارف بالعربية !.. إذا كان هذا العار قد زال من على الصفحة الورقية فقد ظل محفورا فى العقلية الرسمية للإدارة آنذاك و فى امتداداتها اللاحقة إلى يوم الناس هذا، رغم التطورات الايجابية التى حصلت فى الأثناء كما سنرى لصالح هذه اللغة .

لقد كان لمثل هذا الازدراء و الإقصاء المبدئي لرمز الهوية العربية أن يُثير شعورا باليأس و الاستسلام عند النخبة المناضلة.. لكن  روح المقاومة و التمنع المشار إليها آنفا أبت عن ذالك .

لذا فقد تشكلت بسرعة فى البلاد معارضة سياسية جعلت من التعريب محورا أساسيا فى نضالها، فبادرت حفنة من المدرسين بتأسيس "نقابة المعلمين العرب" التى كان لها الدور الحاسم ليس فقط من أجل التعريب و إنما أيضا فى التوعية السياسة للشعب الموريتاني و انعتاقه. رواد هذه الحركة كانوا أحمدُ ولد عبد القادر، محمدن ولد اشدو، مصطفى ولد بدر الدين، محمدُ ناجى و آخرون غيرهم، و قد تعرض هذا الرعيل لكل أشكال القمع من سجن و تشريد و فصل من العمل. لكن اللغة العربية قد حققت بفضل تضحياتهم قفزة عظيمة و حاسمة فى تطورها اللاحق .. و فى مفارقة من المفارقات التى لا تخلو منها السياسة فقد تحوَّل بعض من هؤلاء الرواد فى ما بعد إلى خصوم للقومية العربية واعتنقوا الماركسية الماوية و اقتربوا من التيارات المتعصبة ضد اللغة العربية !..

بدون الخوض كثيرا فى تفاصيل التطور المشار إليه لنذكَّر فقط  بمحاولات إصلاح التعليم المختلفة و من ضمنه مسألة اللغات. القاسم المشترك لهذه المحاولات أو الإصلاحات كان للأسف إخفاقها كلَّها لأسباب  عدة و على رأسها تدخل فرنسا المُمنهج خدمة لهدفها الاستراتيجي المعروف بأن لا تكون هيمنة  لغتها محل أية مراجعة. تدخل لم ترفضه بل رضخت له كل لأنظمة المتعاقبة و عززه الدفاع المستميت لفئة من الانتليجانسيا الموريتانية المتفرنسة (و بخاصة منها الزنجية) من جهتها عن هذه اللغة الأجنبية التى لم يستطع المتعلمون بها رغم كل شىء الارتقاء إلى المستوى الذى يناسب الجهود المبذولة و الرعاية المحاطة بها داخليا و خارجيا .. ربما بسبب وجود رفض لا شعوري تعود جذوره إلى الرفض المقاوم السابق فى عهد الغزو الاستعماري.

إن إصلاح 1979 الأكثر زيغا و شذوذا من جميع الإصلاحات قد قسَّم عالم التعليم إلى قسمين فى سابقة خطرة يمكن وصفها ب"الفصل التعليمي" حيث يدرس التلاميذ العرب بالعربية و التلاميذ الزنوج بالفرنسية. دون الالتفات إلى ما فى هذا الفصل و إعفاء التلاميذ الزنوج من تعلم العربية من انعكس سلبي على الوحدة الوطنية. بإفراغ العربية كذلك من المواد "النبيلة" أي المواد العلمية و التقنية و حصرها  فى الشُعب الأدبية و الدينية فقد وُجهت للغة العربية فى هذا الإصلاح أقوى ضربة منذ ثلاثين سنة و كان للمنافسة الفرنسية غير المتكافئة المسؤولية الأكبر فى ذلك. و للمرء أن يتساءل عن الأساس القانوني أو الحضاري للحضور المتميز لهذه اللغة. 

أ لا ينُص الدستور فى مادته السادسة على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية؟ هل فى هذا الدستور أدنى إشارة إلى اللغة الفرنسية؟ بأي منطق إذن تمتاز هذه اللغة الأجنبية بهذا الموقع المركزي و تهيمن بواسطته على نظامنا التعليمي و منظومتنا الإدارية؟.. إنه الغوص فى السريالية !

لم تكن السياسات الرسمية التى عالجت موضوع اللغات سيِّئة  كلها بل إن إجراآت هامة قد اتُّخِذت و على  رأسها القرار التاريخي بترسيم اللغة العربية و منح اللغات الوطنية مكانتها و التنصيص على ذلك كله فى دستور 1991 و قد تم تطُبيق القانون جزئيا على مستوى الإدارة لكنه تطبيق خجول لم يتجاوز الرمزية بكثير. إن هيمنة اللغة الفرنسية على عالم الشغل وعلى الإدارة بصفة خاصة و على التعليم  رغم ذلك كله أمر بديهي. من أبرز الأمثلة على ذلك هو ما يشاهَد فى الإدارة ذات الوظائف البالغة نحو 40 000 وظيفة و التى تمثل أول مُشغِّل فى البلاد لكن ثلة قليلة من موظفيها هم الذين يخدمون تحت يافطة اللغة العربية، فى ما يعيش آلاف الحاملين لمستويات مختلفة من المعارف بهذه اللغة محنة البطالة و حياة الهامش. فضيحة لا يبدو أنها تثير لحد الآن ضمائر مختلف الحكام  والأنظمة التى تعاقبت على البلد.

و ما ذا عن القطاع الخاص؟.. هنا المفارقة أكبر و الخطب أعظم. هذا القطاع يبدو و كأنه يعيش فى كوكب آخر أو لم يخرج بعد من فترة الاستعمار المباشر حيث لا وجود إلا للغة "النصارى" .. ف"الآرابزاه" غير مرحب بهم هنا لأن كل فرص العمل محجوزة لمن يحسن التحدث و لو بمجرد كلمات مكسرة من لغة موليير .. و كثيرا ما يكون هذا المحظوظ  مهاجرا قد حطّ للتو قادما من أدغال افريقيا النائية !.

حرب غير معلنة

إن أول و أبرز مظاهر هذه الحرب السكوت و التجاهل للخرق الدستور بعدم تطبيق قرار ترسيم اللغة العربية ترسيما حقيقيا و بقاء الفرنسية مسيطرة خارج كل إطار قانوني أو شرعي و هو الخرق الذى لا تتطرق له كل الحوارات و الندوات و المقالات التى تُبث على مدار الساعة عبر قنوات الإعلام المرئية و المسموعة و غيرها من المنابر. سبب هذا التجاهل هو أن الإعلام بكل وسائله و جزءا كبيرا من الطبقة المثقفة واقعان فى الغالب تحت تأثير تيار شعوبي متنفذ يدفع فى اتجاه الانتقاص من مقام الأغلبية العربية للشعب الموريتاني. من ذلك الانتقاص هذا الصَّمُّ للآذان عن خرق المادة السادسة واعتبار أن شيئا لم يحدث فى احتقار سافر لأب القوانين. و ترى هذه "النُخب" - و بخاصة منها الإخوة الزنوج – منشغلة بالتنظير و التحليل فى تجاهل تام لهذا النص الصريح و بتقديم الحلول لملء هذا "الفراغ"، حلول تتعمد الخلط بين اللهجات أو اللغات التى لم تكتب بعد مع اللغة العربية و "يقترح" بعض الغلاة إحلال الدارجة "الحسانية" محل الفصحى، باعتبار أن لغات موريتانيا أربعة هي الحسانية و البولارية و الولفية و السوننكية، و أن اللغة العربية الفصحى لغة أجنبية غازية تماما كما الفرنسية !..  و يضيفون أحيانا إلى تعداد هذه اللغات اللغة "االبمبارية".. نعم البمبارية !..  بحجة وجود أُسَر موريتانية محترمة يمكن عدها على أصابع اليد الواحدة منحدرة من "الرماة السنغاليين" البمبارا  المحاربين المعروفين إبان الغزو الاستعماري ..

 ذلك الخلط  و كل ما يثار فى موضوع اللغات يكاد يُنسيك فى أن الجدل حول اللغة العربية الذى شغل النخب و الدوائر الرسمية ردحا من الزمن، و الذى ما كان له أن يحدث أصلا بالمناسبة، قد حُسم .. و يوهمك بأن "مشكل اللغة الرسمية" الموروث عن الاستعمار و الذى حافظت على بقائه حيا الأنظمة التابعة له ما زال مطروحا للموريتانيين .. من حيث المبدأ حتى !..

 لا يخفى ما لهذا التغافل من نية غير بريئة و سعيٍ  حثيث  لمحاولة نسف المكسب الوحيد و هو ترسيم اللغة العربية - غيرالمكتمل على كل حال كونه بقي على مستوى المبدأ و يفتقر إلى التطبيق كما سنرى - الذى حققته الأغلبية العربية فى صراعها القاسي و المرير من أجل المحافظة على هويتها المهددة منذ نشأة هذه الدولة المصطنعة. وما هو كذلك إلا إمعان فى التشويش على الواقع الحقيقي الثابت و فى محاولة  إقناع الرأي العام - الدولي قبل الوطني - بتنوع  قومي و لغوي و عرقي فوق العادة مزعوم يُصوِّر المجتمع الموريتاني على أنه فسيفساء بالغة التعقيد، و يشكك - ضِمنيا - فى وجود قومية أكثرية لها حق قيادة البلد و إضفاء طابعها القومي و الثقافي مثل الذى عليه كل الدول التى بها أقليات و أكثريات. لترسيخ هذا السيناريو المغرض فى الأذهان انطلاقا من قاعدة التكرار المعروفة يبالغ محترفو التفرقة فى ترديد مصطلحات مثل "التنوع الثقافي"، "التنوع اللغوي"، "التنوع العرقي"، "التنوع الاثني" الخ ... متجاهلين حقيقة عليها إجماع الناس هي أن الشعب الموريتاني يتألف من قوميتين لا أكثر، قومية أكثرية هي القومية العربية و قد تتعدد فيها الألوان و الأصول، و قومية زنجية افريقية تتألف من السوانك و البولار و عدد قليل من الولوف. الهدف من هذا التكرار والتجاهل الغير البريء هو محاولة - ناجحة لحد الآن مع الأسف - لتمييع هوية البظان الذين أصبحوا يُنعتون فى نطاق هذه الحملة التقزيمية  ب"الشريحة" و "المكوِّن" و "الفئة"..  و يهدف (التكرار) للتعمية على كونهم على العكس يشكلون (بكيانهم المزدوج البيض و السُّمر) أكثرية الشعب الموريتاني الساحقة (قرابة 85% حسب تقديرات غير رسمية) و لإبراز كل ما يمكن إبرازه من خصوصيات واقعية أو مُتوهمة و أقليات و شرائح، و لإلغاء - عمليا - مصطلحي "أكثرية" و "أقلية"، هذا المبدأ المقدس كونيا، من معجم الخطاب السياسي السائد. فيصبح هذا الخطاب خطابا مُسطّحا "مُساواتيا" لا نُتوءة  فيه فى تجاهل مقصود للعامل الديموغرافي و الثقافي و التاريخي المعروف عند الجميع ..

للغة العربية عداوات أخرى أولها الوضع القائم، الاستاتيكو، حيث أنه على الرغم من العمل جزئيا بهذه اللغة على مستوى الإدارة و فى الإعلام المُعرّب بنسبة كبيرة - يجب الاعتراف بذلك - و التعليم المُعرَّب هو الآخر بنسبة معينة فى ظل ازدواجية لغوية زائفة مفروضة خارج القانون .. إلا أن هذه المكتسبات لا تمثل إلا النزر اليسير كما و نوعا من ما يجب أن تكون عليه حال هذه اللغة قانونيا و ما تتطلبه مقتضيات التنمية و الهوية.. هذا الاستاتيكو و هذه "المكتسبات" هما بمثابة رسالة من النظام السياسي  إلى الرأي العام بأن الأمر قد حُسم نهائيا بالنسبة الى هذه المسألة المركزية.  فاللغة العربية هي رسمية فى نص الدستور و فى الواقع و كل شيء على ما يُرام و البحث مُنتهي .. لكن الحقيقة عنيدة كما يقال، فالواقع ينطق بان العربية مُهمّشة و مُغيَّبة إجمالا مقابل هيمنة لغة أجنبية لا دستورية فضلا عن كونها رمزا للاستعمار البغيض. إن الحرص على إنصاف لغة البلاد الرسمية لا يعنى كرها أو ازدراء باللغات الأخرى و لا بالفرنسية على وجه الخصوص التى يجمعنا بعها ماض مشترك كما تجمعنا مصالح مشتركة مع الدولة الفرنسية، و نشجع بقوة الانفتاح الايجابي على هذه اللغات و بخاصة إدخال اللغة الانجليزية  فى المعاملات الخارجية و نعتبر مع الكثيرين أن الاعتماد على لغة واحدة لم يعد ممكنا لأي بلد اليوم.    

الازدواجية اللغوية

 تعتبر الازدواجية (le bilinguisme) مكسبا و مرحلة جد هامة من مراحل كفاح اللغة العربية من أجل تبوُّء المكانة التى تستحق  بعد عقود من سيطرة لغة أجنبية على المشهد الثقافي الموريتاني، و كانت القناعة أن لا يكون هذا المكسب أو أية مكاسب ثانوية نهاية المطاف لأن الهدف هو التعريب الشامل للتعليم و الإدارة و تطوير اللغات الوطنية الأخرى فى إطار استعادة السيادة الثقافية و بالاستفادة من اللغات الأجنبية كوسيلة انفتاح على العالم الخارجي .. لكن الذى حدث هو أن قطار حركة التحرر الثقافي قد توقف فى منتصف الطريق.. فان كان إدخال العربية إلى جانب الفرنسية - الازدواجية - فى التعليم و الإدارة مكسبا هاما كما قلنا إلا أن هذه الازدواجية تتحول سلبا عند ما تحل محل التعريب و تُوقفُ عجلته و تضمن للغة الأجنبية بقاءها مهيمنة .. و لو مع مشاركة محدودة من العربية. للازدواجية سلبيات أخرى كذلك. فعلى مستوى التعليم لا يختلف اثنان على عدم نجاعة فرض لغة ثانية تربويا مع اللغة الأم بالنسبة إلى المراحل الأولى من اكتساب الطفل للمعارف فضلا عن عدم قدرته على تحمل المجهود الإضافي المطلوب منه و الذى يؤثر فيه و يثقل كاهله.. و على مستوى الإدارة تؤدى إضافة لغة ثانية إلى هدر فى الموارد البشرية و المادية و هدر للوقت لأن كل إنفاق يصبح مضاعفا. الشيء نفسه يجرى على التعليم.

إذا ما نظرنا إلى التطبيق الصارم لهذا النهج - الازدواجية - على النشاط الروتيني لإدارتنا و تعليمنا تتجلى لنا بكل وضوح هذه السلبيات الثقيلة التى كان من الممكن تجاوزها .. تزايد الحاجة إلى الترجمة  ضريبته المزيد من الاكتتاب و مزيد من الاكتتاب هو إرهاق للميزانية و مضاعفة أوقات الانجاز .. تتجلى هذه الصرامة المكلفة كذلك فى المظاهر الإدارية الخارجية كافة كاللافتات و اللوحات و الشعارات و حتى لوحات السيارات .. لا يبقى شىء و لا يبقى تصريح لمسؤول و لا بيان إلا و تُرجم نطقا أو كتابة، لا يبقى حرف مكتوب إلا و وضعت ترجمته تحته .. على أن تبقى الفرنسية استحقاقا أبرز و بحروف أكبر. الازدواجية فى التعليم معروف شكلها : مواد علمية و تقنية بالفرنسية و المواد الأدبية و العلوم الإنسانية بالعربية، أما فى النظام الإداري فكل فعالية لها مقابلها بالفرنسية. صحافةٌ رسمية كل وسيلة من وسائلها المنطوقة و المرئية و المسموعة مزدوجة فرنسي- عربي..عندنا جريدتان رسميتان و تلفزتان و إذاعتان و وكالتان للأنباء ..الوثائق الرسمية تقدم  للترجمة حتما قبل العمل بها، الإعلانات الموجهة للجمهور تحمل تحتها ترجمتها وجوبا.. لا يفلت حرف و لا عبارة و لا شعار من غول الترجمة !.. إلا القطاع الخاص الذى كان قد حسم أمره كما مرَّ بنا. الهوس بالترجمة و المزج بين اللغات السائد عند البعض فى كلامهم قد يؤدى أحيانا إلى وضعيات بها شيء من الطرافة السلبية، إن صح التعبير. من ذلك ما يجرى أثناء مداولات جمعيتنا الوطنية الموقرة. رئيسها فرنكوفوني الثقافة بطبيعة الحال لكنه يدير المداولات باللغة الرسمية إدارة جيدة رغم ما يتخلل هذا اللغة من لجوء متكرر إلى مفردات اللغة الأخرى ..  من يتدخل بالفرنسية، و هو غالبا من الإخوة الزنوج، يحرص الرئيس على الرد عليه بالفرنسية حصريا و ليس بالعربية التى يدير بها الجلسة.. و كأنه حوار جانبي لا يعنى النواب الآخرين و لا الجمهور المتابع .. نصف النواب لا يعتبرون تدخلاتهم قابلة للفهم إلا إذا أشفعوها بعبارات فرنسية و بعضهم يمزج بين اللغتين مزجا مثيرا للذوق على الطريقة الجزائرية.. الترجمة الفورية ترتبك و لا تستطيع مواكبة خطاب يطير من لغة إلى أخرى و يعود الخ ...      

كيف تنظر أحزاب المعارضة إلى موضوع اللغات؟

 بالتجاهل.. أو بالاتفاق الضمني مع موقف السلطة الحاكمة و الذى يعتبر أن لا مشكلة على الإطلاق و لا يوجد خرق للدستور و لا أي تململ و لا مطالبة من الرأي العام بتطبيق كامل للقانون.. و إذا أردنا الدقة نقول إن الإشارات الوحيدة التى تصدر عن هذه الأوساط المعارضة فهي للمطالبة بتطوير اللغات الوطنية البولارية و السوننكية و الولفية، و ذلك راجع إلى التأثير القوي للتيار القومي الزنجي داخل هذه التشكيلة . أما اللغة الوطنية الأخرى اللغة الرئيسة العربية فلا يذكرها ذاكر و لا يعتبرها أحد من هذه القوة الفاعلة على الساحة بحاجة إلى شيء و لا تعانى من أية أزمة .. أو قل فهي غير موجودة !.. بالمقابل فان للغة الفرنسية أنصارا و مدافعين كثر داخل مجموعة الأحزاب المعارضة يعتبرونها جزءا من الواقع الموريتاني و أن علاقتنا التاريخية بها و حاجتنا إليها كلغة علمية الخ.. تبررهكذا موقف و يأخذ البعض منهم لنفسه عبارة للكاتب الجزائري الممسوخ كاتب ياسين و هي أن اللغة الفرنسية "غنيمة حرب" بالنسبة إلى الجزائريين.. العبارة نفسها، مع تبريرات أخرى، دافعت بها نائبة برلمانية لأحد أحزاب المعارضة الوازن أثناء جلسة لمجلس الشيوخ عن بقاء اللغة الفرنسية فى المنظومة الثقافية و التعليمية و التشغيلية الموريتانية .. الاستغراب ليس من باب هذه الدعوة الصريحة للتبعية فحسب بل كون مثل هذا الموقف صادرا عن ممثلة حزب يدعى المرجعية الإسلامية و المفروض فيه أن يجعل الدفاع عن لغة القرآن على رأس مطالبها و يرفض منح الفرنسية لغة المستعمر الكافر أكثر من كونها لغة أجنبية لا أكثر..

على العموم فان هذه المعارضة التى تعارض كل شىء حتى وجود السلطة القائمة برمتها لا تعارض فى قضية نبيلة مثل تأهيل اللغة الرسمية للبلاد و التحرر من لغة استعمارية هجرها أصدقاؤها قبل أعدائها.  هذه مثلا دولة رواندا الغرب افريقية على ضآلتها تقدِم على إحلال اللغة الانجليزية محل هذه اللغة التى افتتن بها الموريتانيون و دللوها لأكثر من نصف قرن من الزمن على حساب لغتهم .. و لم تسقط السماء على رواندا !..  

لا، ليست الفرنسية غنيمة حرب لنا لأن حربنا كانت عليها هي و على من أتى بها من غزاة .. نعم هي صارت مع الأسف جزءا من الواقع الموريتاني لكنه هو الواقع الذى نسعى للخروج منه .. أما حاجتنا إليها فتنحصر فى كونها أداة من بين أدوات أخرى مساعدة فى التواصل مع العالم الخارجي و لغتنا العربية تسع حاجاتنا الفكرية و المادية و أكثر لأنها لغة مشهود لقدرتها و هي لغة لأربع مائة مليون عربي و أكثر من مليار مسلم و سادسة اللغات الرسمية فى الأمم المتحدة.

 فى سياق مشابه للمبادرة الرواندية يلاحظ التطور الهام الذى تحققه اللغة العربية على مستوى بعض الأقطار الإفريقية كتشاد وغامبيا التى قررت ترسيمها و لو لم يُفعَّل هذا القرار بعد .. حتى السنغال ليست بعيدة من منحها هذه الصفة .. أما فى موريتانيا التى هي مهدها فتراوح فى نفس المكان و تعانى من غربة من الصعب تبريرها.

من يهتم بالدفاع عن اللغة العربية و بتأهيلها فى القطر الموريتاني؟ لن يرهقنا البحث طويلا لقلة الهيئات  أو التجمعات المهتمة بهذا الموضوع رغم أن البلد أصبح يعج بالمنظمات و الهيئات المختلفة و الدوائر المختصة فى كل شىء .. حتى فى تربية السلاحف و النباتات الصحراوية و غيرهما... تطور لا نعتبره سلبيا على كل حال إلا أن نصيب لغة الضاد من هذه الطفرة ظل يقتصر حسب علمنا على هيئتين لا نعلم لهما ثالثة هما "مرصد اللغة العربية" و "جمعية الضاد" التين تشرف عليهما الشخصيتان الثقافيتان البارزتان الدكتور أحمد دولة و الشاعر الكبير ناجى محمد الإمام و التين يعتبر وجودهما فى حد ذاته أمرا بالغ الأهمية فى هذه الصحراء اللسانية و ما تقومان به من نشاط مهما كان حجمه يحسب لهما .. إلا أن اللغة العربية تعتبر رغم ذلك شبه يتيمة على مائدة المسخ الثقافي و الشعوبية المنتشية بهيمنتها. 

اللغات الوطنية : وضعها الراهن و علاقتها بالعربية و الفرنسية

ان الدستور الموريتاني فى مادته السادسة و بعد إقرار العربية لغة وطنية و رسمية نصَّ أيضا على أن البولارية و السوننكية و الولفية لغات وطنية . إن إبقاء هذه اللغات فى وضعها الحالي المتخلف، و كونها هي الأخرى ضحية لسيطرة اللغة الفرنسية، لا يخدم الاستقلال الثقافي للبلد و لا تنميته و لا الهوية الزنجية الافريقية.. لقد اتخذت فى الماضى خطوات فى الاتجاه الصحيح لهذه القضية مثل إنشاء "معهد اللغات" لكنها جُمدت بسبب إهمال السلطة و تقصير القائمين علي المؤسسة .. كما أن المبادئ التى أُسِّس عليها المعهد تحتاج إلى مراجعة كونها تبنَّت الحرف اللاتيني بدل الحرف العربي الجامع وطنيا و دينيا فى خروج صريح على مقتضيات و مبادئ الوحدة الوطنية التى يلهج  بها السياسيون و غيرهم من المواطنين ليل نهار و فى تعارض صارخ كذلك مع رغبات المجتمع الزنجي الذى يتمسك باللغة العربية و يعتبرها لغته و يكتب لغاته بحرفها منذ القدم. ليست مسألة الحرف مسألة ثانوية و لاهي من الحقوق الخاصة التى يُترك لفئة تحديدها لوحدها خارج الإطار الوطني. على مثقي العرب بحكم قيادة فئتهم للبلد و الزنوج كونهم معنيين مباشرة أن يتحاوروا حول الموضوع بجدية و أن يتوجهوا إلى السلطة لاتخاذ قرار كتابة لغاتنا الوطنية بأحرف لغتنا الرسمية سعيا إلى مزيد من الانسجام بين مكوناتنا القومية و قطع الطريق أمام تسلل أعداء وحدتنا الوطنية  ..

مهما يكن فان تأهيل هذه اللغات كتابة و تدريسا واجب على السلطة الحاكمة القيام به، و الأمر لا يتطلب أكثر من قرار سياسي أو تعبئة قدر مُعين من الموارد المادية و البشرية، تماما كما هي الحال بالنسبة إلى عملية إكمال تطبيق قانون ترسيم اللغة العربية.

ثمن التبعية اللغوية و تهميش اللغات الوطنية

إن تهميش اللغة الرسمية للبلاد و لغاتها الأخرى الناجم عن هيمنة الفرنسية و حضورها اللادستوري الطاغي قد تسبب لموريتانيا فوق غزو الفصحى و الدارجة الحسانية على حد سواء بمفردات ليست من الدخيل المفيد الذى تستثرى به كل لغة لكنها مظهر للمسخ الثقافي بأوضح صوره، و تقدر المفردات الغازية بما لا يقل عن 15 % من مخزون الدارجة، و النزيف مستمر.. تسبَّب هذا التهميش إذن  فى أضرار جسام يمكن تلخيصها كالآتي :

ا - تبعية ثقافية لدولة أجنبية لا تسمح للسلطات الموريتانية بالهامش الكافي لوضع ستراتيجيه تعليمية وطنية منسجمة مع اختياراتها السيادية

ب - تخلفٌ مريع فى المعارف بسبب الركود المزمن للحقل الثقافي فى الوقت الذى تعيش فيه أمم العالم و منه  دولٌ بمستوى بلدنا ثورة مذهلة فى جميع ميادين المعرفة       

ج - ضياع مأساوي لنخبنا و شعبنا المنقسمين إلى فئتين، نخبة الأغلبية التى تشاهد عاجزة مسلسل تدمير ثقافة مجتمعها و طمس هويته من جهة، و فئة النخب الزنجية التى تغالى فى لغة أجنبية لا تفيد مجتمعها إلا مسخا و بعدا عن واقعه و على حساب لغاته و ثقافته، ناهيك عن الهُوَّة التى يضع هذا التشبث باللغة الفرنسية بين هذه الفئة من الشعب و بين الذين هم أقرب الناس إليها، مجتمع العرب الموريتانيين إخوتهم  فى الوطن و الدين من جهة ثانية.

د - جوٌ دائمٌ من الريبة و الحذر بين مكونات شعبنا الاثنية يتحول أحيانا الى عنف و صراع 

 ه - أخيرا بلد يراوح مكانه لئلا نقول يتراجع رغم مضي أكثر من نصف قرن على ما يعتبر سيادة وطنية، لأن جهوده مُستغرقة على الدوام فى مشكل الوحدة الوطنية المزمن.

 

تنبيه : للمساهمة فى الجهود الرامية إلى جعل سنة 2015 سنة للتعليم التى أعلنها رئيس الجمهورية و كي نتجاوز البحث النظري سأتقدم فى معالجة لاحقة باقتراح خطة عملية لاستكمال تطبيق قرار ترسيم اللغة العربية و تأهيل اللغات الوطنية الأخرى عله يثير نقاشا مثمرا يدفع قضية اللغات إلى أمام .. و الله ولي التوفيق.